|
** تقع بلدة عنابة في محيط قروي يجاورها من الجهات الأربعة (دانيال وجمزو وخروبة والكنيسة والقباب والبرية)، وقد ارتبطت عنابة بعلاقات حسن جوار مع هذه القرى، وتعتبر عنابة مركزاً للقرى المجاورة وفيها خدمات غير متوفرة في القرى المجاورة مثل المدرسة والمطحنة، وبيار المياه، مما دفع أهالي تلك القرى للقدوم إلى عنابة والاستفادة من تلك الخدمات.
وتربض عنابة فوق ربوة إلى الشرق من الرملة عند ملتقى سلسلة الجبال الفلسطينية من السهل الساحلي الأوسط وترتفع 150 متراً عن مستوى سطح البحر.
فعنابة بفتح الباء إحدى قرى لواء الرملة، فيما تبعد عن اللد 3كيلومتر، ويقال: إن أصل تسميتها يرجع إلى وجود كروم العنب التي كانت تحيط بالقرية. وقد عرفت بالعهد الروماني باسم "بيتو أنابة" وعاشت البلد حياتها منذ ذلك التاريخ مروراً بفترة صدر الإسلام حيث يقول أهل البلد إنه كان بها مسجد شيد زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد نقش على إحدى أحجاره "بسم الله الرحمن الرحيم".
*** تميّزت عنابة بروابط أسرية قوية، فمعظم عائلات عنابة ترتبط مع بعضها بعلاقات نسب وقرابة، وأهم هذه العلائلات هي: حسين حسن، طمليه، أبو بهاء، الخالدي، أسعد، بكر، صالحية، غيث، الخطيب، عباس، الكسجي، الباز، قطاش، يحيى، وهدان ، جابر، محمود، بدوان، وغيرها الكثير، حيث هناك بعض العائلات الصغيرة المنبثقة من افخاذ هذه العائلات الكبيرة في البلدة. وقد عرف عن عائلات عنابة النخوة والكرم ومساعدة الضعفاء وإحقاق الحق والدفاع عنه، وتسود روح التعاون والمشاركة بين هذه العائلات. وما يميز أهل عنابة في لهجتهم عن القرى والبلدات الأخرى أنهم يفتحون الحرف قبل تاء التأنيث. وفي عنابة كانت العائلة صاحبة القرار في اختيار الزوج أو الزوجة لأفرادها، وكان المهر في القرية مرتفعا.
*** من المتعارف عليه عند علماء الآثار أن قرية عنابة بناها العرب الكنعانيون، ومن آثارهم المغر، وأهمها مغارة "باطن شيحا" وطولها أكثر من كيلو متر داخل الجبل، وبداخل المغارة ساحات وطرق وبعض الأمكنة تشبه المخازن كأنها سوق، ثم دخلت عنابة في مظلة الإسلام وقدمت إليها قبائل عربية من الجزيرة العربية ( على سبيل المثال نحن آل وهدان وأخوانه وعائلاتهم ، قدمنا من الجزيرة العربية) وقد أقام أجدادنا فيها مسجداً شيد في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
*** عنابة في عهد الانتداب البريطاني
عرف أن أهالي عنابة كانوا من المتحمسين والمشاركين والمدافعين عن ثرى وطنهم، ولم يعرف أهالي عنابة أي شكل من التقسيمات السياسية، حيث كان فيها الحزب العربي الفلسطيني، وقد بلغ عدد الأشخاص الذي كانوا ينتمون إليه حوالي مئة شخص في فرع عنابة، وكان لأهالي عنابة دور فعال في ثورة 1936، لكونها مركزاً من مراكز القيادة، وكان فيها محكمة للثورة، الأمر الذي أدى إلى تعرض أهل عنابة لظلم قوات الانتداب، وقدمت عنابة عدداً من الضحايا تم قصفهم بالطائرات الإنجليزية، وعندما أعلنت بريطانيا عزمها على الرحيل، تأزمت الأوضاع وازدادت التحرشات من قبل اليهود، فاجتمع وجهاء عنابة وقرروا شراء أسلحة، وألزموا كل رجل أن يدفع من الجنيهات الفلسطينية (النقد الفلسطيني آنذاك)، وأرسلوا لشراء الأسلحة، وشكلوا تنظيماً عسكرياً لحفر خندق حول البلدة، وعملوا على الحراسة ليلاً.
*** عنابة في حرب عام 1948 والرحيل المأساوي***
في عام 1948 كان لدى شباب البلدة أسلحة بسيطة تم شراؤها بعد جمع النقود، وحاول أفراد القرية أن يشتروا سلاحاً ثقيلاً مثل (رشاش هشكس) ، وزاد تبرع أهل القرية بالنقود من أجل شراء أسلحة ثقيلة أخرى بعد سقوط القرى المجاورة مثل (القباب وأبو شوشة والنعاني والبرية) وتحولت عنابة إلى خط مواجهة، وحسب الإحصائيات فقد كان في عنابة أكثر من 250 قطعة سلاح. ومع سقوط القرى المجاورة أصبح شباب القرى المجاورة يتجمعون في عنابة ويشاركون أهالي عنابة للدفاع عن قريتهم، وشنت قوات الهاغاناة ثلاث هجمات دون أن تفلح في دخول البلدة، وذلك بسبب الخندق الذي كان محفوراً حول البلدة، وكان يقدر طوله بثلاث كيلو مترات وعرض مترين. وكان الخندق مقسماً إلى مواقع حيث كان على كل خمسين متراً رجل مسلح، وكان منظماً بصورة عسكرية حيث كان هناك مراقبون على المسلحين، وإذا تأخر أحد عن الحراسة كان يعاقب.
أما الهجوم الرابع والأخير فكان الساعة العاشرة ليل الخامس والعشرين من أيلول ، حين بدأت مدافع الهاون والمورتر بقصف البلدة، ولم يكن لدى شباب البلدة أسلحة ثقيلة للصمود اكثر لصد الهجوم، واستطاعت قوات الهاغاناة في صباح اليوم التالي، وبمساعدة الجيش البريطاني الذي كان ما يزال له بعض الثكنات المجاورة في القباب من دخول البلدة، وبقي عدد من المسلحين على رأس الجبل، وبعد أن سقطت البلدة توزع الناس على قرى (نعلين وصفا وبيت عور، ورأس كركر وبيتللو) وأصبح هم الناس
البحث عن أولادهم ونسائهم، وكان سبب المجيء إلى هذه القرى هو البحث عن الماء أولاً ومن أجل مراقبة البلدة ثانياً، حتى يتمكنوا من العودة إلى بلدهم بعد خروج قوات الاحتلال الغازية، وبعدها أصبح أهالي عنابة ينتظرون الدعم من الجيوش العربية.
مظهر القرية وتنظيمها
***** إذا أردنا رسم صورة لعنابة لكي نعيش بها ذاكرة من عاشوا فيها ونصور للذين لم يولدوا فيها طوابينها وخبزها وكهوفها ومسجدها ومدرستيها، نقول: تقع عنابة على تلة مرتفعة هي الأعلى عند انتهاء الساحل، فالناظر لعنابة قبل رحيل أهلها يستطيع أن يرى بعد الأشجار -التي تحيط بها من الجهات الأربعة كأشجار التين والزيتون والعنب– أبنيتها الحجرية على صدر التلة، وكان فيها بناء ضخم مشيد من الحجر ومكون من عدة طوابق، ويروى أنه كان بها طابقان وثلاثة طوابق، وكان هذا في عام 1936، وكان المدخل الرئيسي للقرية يتصل بالشارع الرئيسي الواصل بين القدس ويافا. وكان في مدخل البلد "البئر" ثم تمشي قليلاً فترى المدرسة الجديدة التي بناها الشيخ علي حسين بدوان ، وهو أول مدرس عنابي كان في المدرسة القديمة ، حيث حث الأهالي على بناء المدرسة الجديدة ، فتعاون الجميع من أجل تشييدها، وقد درست
(أنا) في المدرستين، ثم انتقلت بعدها لإكمال دراستي في الرملة، حيث كنت أذهب يومياً وأعود للمبيت في البلدة، وكنت أمر يومياً ببيوت البلدة وأرضها.
وكانت الحارات والبنايات تتصل ببعضها من خلال شبكة طرق داخلية تمتد لتصل عنابة بالقرى المجاورة، فهنالك الطريق الرئيسي الذي يأتي من القدس إلى الرملة، ومن الجهة الشمالية "طريق شيحا" وتمتد لتصل إلى داخل القرية.
*** أرض شيحا
ألحقت أراضي خربة شيحا في أواسط العهد التركي، وكانت تابعة قبل ذلك لأراضي قرية بيت لقيا، وتراكمت عليها الضرائب التي لم يكن بمقدورهم دفعها، الأمر الذي أدى إلى تركها بحجة أنها بعيدة عن بيت لقيا، وبناء عليه تم تلزيمها إلى قرية عنابة، ولم تسكن أية عائلة منطقة شيحا إلا بعد عام 1938 عندما زرعت بأشجار الفواكه والحمضيات. وقد بنى والدي مصطفى وهدان بيتاً لنا على أطراف البلدة، كان متسعاً اكثر بكثير من بيتنا الذي في داخل البلدة، وقد بني من الحجر الخالص، وكانت له "عِلّية"، حيث كنت اتخذ من العلية تلك مكاناً لي للقراءة والمطالعة، وكنت استطيع رؤية اغلب بيوتات القرية منها.
الحياة الاقتصادية في عنابة
عنابة كأي قرية فلسطينية عبارة عن مجتمع زراعي صغير، يعتمد على الزراعة البسيطة، التي تتم في الأرض المستأجرة أو المملوكة. وهناك أراضي شاسعة مسجلة بأسماء اغلب اهالي البلدة (الطابو)، وهي مسجلة إلى الآن بأسماء اصحابها.
اعتمدت عنابة في حياتها الاقتصادية على الزراعة التي هي العمود الرئيس لاقتصاد البلدة، كانت الزراعة في عنابة بعلية تعتمد على مياه الأمطار حتى بدأ الاهتمام بزراعة الحمضيات، وقبلها كان الاهتمام بزراعة الحبوب والخضار بمختلف أنواعه مثل القمح والذرة والشعير والبندورة وقد اشتهرت القرية بزراعة السمسم، حيث كانت تنتج ما يقدر بأربعين ألف مسحة، والمسحة تقدر ب 10 كغم.
وكان في القرية بعض البقالات، إذ بلغ عدد البقالات 12 بقالة منها أربع رئيسية. وكان البيع والشراء يتم بالنقود أو بالمقايضة (أي سكر بدلا من القمح على سبيل المثال). واشتهرت أيضاً عنابة بصناعة الشيد، بلغ عدد معامل الشيد فيها حوالي أحد عشر معملاً وبلغت كلفة كل معمل حوالي ألف جنيه فلسطيني وكان وقود هذه المعامل الفحم المستورد من أوروبا. وإلى الآن يعتبر الشيد ( الجير) العنابي من اجود الشيد المستخدم، نظراً لطبيعة الحجر الموجود في عنابة .
التعليم في عنابة
*** بدأ التعليم في عنابة في فترة العشرينيات وكان يتعلم الأولاد في مزار الشيخ عيسى إلى أن تم تحويله إلى مدرسة، ولم يكن فيها صفوف أو فصول دراسية، بل كان الطلبة من جميع الأعمار يجلسون في غرفة واحدة، وتراوح عدد الطلبة فيها يتراوح بين 50-60 طالباً، وفي عام 1938 تم بناء مدرسة جديدة بعد أن تم بيع مكان المدرسة القديمة، وأصبحت المدرسة الجديدة تضم أربعة صفوف ابتدائية، وكانت تشرف على مساحة 10 دونمات، وقد التحق بهذه المدرسة طلبة من القرى المجاورة.
وفي عام 1948 بلغ عدد طلاب المدرسة حوالي 220 طالباً، وكان الطلبة عندما ينهون المرحلة الابتدائية يتوجهون إلى مدارس اللد والرملة، وقد تابع بعض الطلبة تعليمهم الثانوي في الرملة والقدس، وتخرج الكثير منهم، وكان هناك عدد أكمل تعليمه في الأزهر الشريف، وعادوا جميعهم للعمل كمعلمين في قريتهم، ونظراً لقرب عنابة من الرملة، كانت تصل الجرائد المحلية للقرية مثل: "جريدة الدفاع" و "فلسطين" و "الجامعة الإسلامية".
وما زالت عنابة الأرض والتاريخ تنتظر عودة أبنائها الذي هجّروا منها قسراً وتحت قوة الإرهاب، ومازال أهلها يتوقون للعودة إلى ربوعها، حاملين هذا الأمل في قلوبهم التي مازالت تعشق هدأة حقولها، ونسيم روابيها.
[ نقلاً عن " القدس" : حوار مع الفلسطيني الصامد محمود مصطفى وهدان].في ذكرى النكبة
رشحني في دليل العرب الشامل
|